السيد محمد حسين الطهراني

68

نور ملكوت القرآن من أقسام أنوار الملكوت

--> وابن عطيّة من كبار مفسّري أهل السنّة ينفي صحّة نسبة تفسير باطنيّ أو رمزيّ إلى الإمام الصادق ، ويقول ( . . . وهذا قول جارٍ على طريقة الرموز . ولا يصحّ عن جعفر بن محمّد رضي الله عنه ، ولا ينبغي أن يلتفت إليه ) . إليك مثلًا - بين نظائر تجلّ عن الحصر - لاستعمال اللسان العربيّ في التفسير . يقول زرارة للإمام الصادق . مِنْ أيْنَ عَلِمْتَ أنَّ المَسْحَ بِبَعْضِ الرَّأسِ ؟ ويجيب الإمام . لِمَكَانِ البَاءِ في قَوْلِهِ تَعَالَى . « وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ » . يقصد أن الباء للبعضيّة . ولقد تتابع على هذا التفسير الأئمّة في اللغة والفقه . جاء في « المصباح المنير » في مادّة ( بعض ) أن الباء « في قوله تعالى . وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ للتبعيض . . . ونصّ على مجيئها للبعض ابن قتيبة . . . وأبوعليّ الفارسيّ وابن جنّي . . . وذهب إلى مجيء الباء بمعنى البعض الشافعيّ وهو من أئمّة اللسان . وقال بمقتضاه أحمد وأبو حنيفة » . ومن استعمال ظاهر اللسان العربيّ تفسير « الكوثر » بأنّه الذرّيّة الكثيرة . في قوله تعالى . إنَّآ أعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ . فهي صيغة مبالغة من الكثرة ( فَوْعَل ) ، يؤيد ذلك الآية التي تجيء فيما بعد : إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ، والأبتر مَن لا عقب له . وبهذا ساغ تفسير الشيعة بأنّ الكوثر هو الذرّيّة . وقد رزق الله النبيّ الذرّيّة الكثيرة من فاطمة . فهي الكوثر المقصود . والآخرون يقولون إنّ الكوثر نهر في الجنّة . وغيرهم يؤوّلونه بأنّه النبوّة . ولقد أسلفنا طائفة من تفسيرات الإمام ، كالخوف من عدم العدل بين النساء ، والإنفاق من رزق الله ، ورؤية الله جلّ شأنه ، وقتل النفس بإخراجها من الهدى إلى الضلال ، والتفسيرات التي جعلت أبا حنيفة يقول عن آية . « وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ » . لَكَأنِّي مَا قَرَأتُهَا قَطُّ في كِتَابِ اللَهِ وَلَا سَمِعْتُهَا إلَّا في هَذَا المَوْقِفِ . وهي جميعاً صادرة عن فهم دقيق للّسان العربيّ الذي نزل به القرآن . والتفسير بالظاهر ممن يفهم البلاغة العربيّة ، ومجازاتها المتعدّدة ، والاستعارة ، والإيجاز اللفظيّ ، وهو بعض خصائص الإعجاز البيانيّ في القرآن ، لا ينفي استعمال العقل ، بل فيه مجال واسع له . ولا ينفي القيمة العظيمة لتفسير الزمخشريّ المعتزليّ ، وهو حجّة في اللغة ، وحجّة في الجمع بين الظاهر وبين وجوه الرأي بالمعاني الدقيقة وأسرار البلاغة . وممّن أثارهم الإعجاب به الإمام يحيي بن حمزة العلويّ ( 749 ) صاحب كتاب « الطراز » . وما من تفسير ثبت عن إمام عن أهل البيت إلّا تلقّته العقول بالقبول ، لأنّه لا يغاير النصّ من القرآن والسنّة . وإنّما يشرحهما في نورانيّة باهرة ، في حين أنّ المعتزلة يؤوّلون ليُخضِعوا المعني لُاصولهم الخمسة ، . وهذا خلاف عظيم بين المؤوّلين وبين الإمام جعفر والشيعة الإماميّة . ، يقول عبد الحليم في التعليقة في شأن هذه العبارة . أصول المعتزلة الخمسة . 1 - التوحيد الذي ينفي عن الذات صفات الأجسام والمكان ؛ وأهل السنّة يرون صفات الله خاصّة به وأنّه تعالي كما وصف نفسه . فليس في ذلك تشبيه الله بخلقه . 2 - العدل ؛ وفحواه أنّ الله لا يأمر إلّا بالحسن ولا ينهي إلّا عن القبيح وما يفعله الناس عمل من أعمالهم ولذلك يثابون ويعاقبون . وأهل السنّة يقولون إنّ الله خالق العمل والعبد كاسب له . 3 - الوعد والوعيد أو الثواب والعقاب ملازمان للفعل ؛ وأهل السنّة يرون التوبة قد يقبلها الله من مرتكب الكبيرة . 4 - المنزلة بين المنزلَتَين ؛ فمرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر ، بل فاسق وإن كان عقابه أقلّ من الكافر . 5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع اشتدادهم في ذلك عندما كانت السلطة في أيديهم .